السيد الخوئي
746
غاية المأمول
وينهى حيث يقتضي الملاك النهي ، بل لو كان المولى ممّن يجوز في حقّه الاشتباه وأمر بشيء واطّلع المأمور على اشتباهه فليس له إلّا أنّ يمتثل ، إذ ليس وظيفة العبد إلّا امتثال أوامر المولى وليس شأنه إدراك الملاكات أصلا . وبالجملة ، فالكلام في التزاحم ليس المقصود منه هذا المعنى كما يدور على ألسنة بعض المعاصرين « 1 » . وقد يطلق التزاحم على التزاحم في مقام الامتثال ، كما إذا أمر المولى بشيء ونهى عن آخر ، وكان إتيان الأوّل يستلزم إتيان الثاني ، والفرق بينه وبين التعارض حينئذ ظاهر ، فإنّ التعارض تكاذب الدليلين بحيث لا يمكن صدورهما معا من المولى الحكيم ، بل لا بدّ من صدور أحدهما وعدم صدور الآخر ، وهذا بخلاف التزاحم فإنّ صدور الأمرين بشيئين ليس فيه محذور أصلا ، وإنّما يقع التزاحم في مقام الامتثال ، إذ امتثال أحدهما يقتضي طرح الآخر ، مثلا إذا أمرنا بإنقاذ الغريق وكان هناك غريقان لا يمكن إلّا إنقاذ أحدهما فهنا يقع التزاحم . وبالجملة ، ففي التزاحم التكليفان محقّقان وإنّما يتزاحمان في الامتثال لعدم قدرة المكلّف عليهما معا ، وهذا ظاهر على ما اخترناه من كون القدرة من شرائط حكم العقل بالامتثال . وأمّا بناء على كونها من الشرائط العامّة للتكليف كما هو المشهور كالبلوغ والعقل فلا تكليف حيث لا قدرة ، حيث إنّ التكليف يدور مدار موضوعه والقدرة من قيود الموضوع ، إلّا أنّه أيضا لا ينافي الجعل للحكمين على تقدير وجود موضوعهما فيتحقّق حينئذ التزاحم في مقام الامتثال ، وهذا بحسب الظاهر واضح . فتلخّص ممّا ذكرنا أنّه متى كان التنافي بين الجعلين فهو من التعارض ، ومتى كان التنافي من جهة عدم قدرة المكلّف على الامتثال فهو التزاحم ، ولكنّ الميرزا النائيني قدّس سرّه زعم أنّ التزاحم في الغالب يكون منشؤه عدم قدرة المكلّف على الامتثال وإلّا فقد يكون منشؤه العلم بعدم الجعل أيضا ، كما لو ملك شخص في أوّل محرّم خمسا
--> ( 1 ) انظر نهاية الأفكار 4 : 126 - 127 .